طفولة آدم

طفولة آدم

إن المتتبع لقصة آدم عليه السلام في القرآن الكريم سيجد أن آدم خُلق كبيراً، فلم يمر بمراحل النمو الطبيعية من طفولة، ومراهقة وصولاً إلى الرشد. ومن المعلوم أن الإنسان لابد أن يمر بهذه المراحل حتى يكون سوياً، ولأن آدم من البشر، بل هو أبو البشر؛ فعليه أن يمر بهذه المراحل حتى يكون سوياً، وينشأ أبناؤه أسوياء كما يرى علم النفس التربوي قديماً وحديثاً.
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل من الممكن أن يمر آدم عليه السلام بهذه المراحل بشكل متسارع؟ فيمر بالطفولة دون أن يقضي فيها السنوات المعتادة لها، وكذلك المراهقة بما تحمله من مشاعر وأحاسيس؟ أظن أن تأملاً في الآيات الكريمات التي تناولت قصة آدم قد توحي بذلك، بمعنى أنه لا يستبعد أن تكثف هذه المراحل بالنسبة لآدم؛ فيمر بالطفولة بسماتها المعتادة من قوة في النمو المعرفي، يتناسب وتعلم الأسماء كلها، “وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ” (البقرة،31)، ومن المعلوم أن قدرة النمو المعرفي تكون في درجاتها القصوى في مرحلة الطفولة.
ومن المعروف أيضاً من سمات الطفولة الرغبة في المعرفة أو الفضول المعرفي الأشد في حياة الإنسان، هذا الفضول المعرفي الذي دفع آدام لمعرفة ما تقوم به الشجرة التي مُنع القرب منها، “وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ” (الأعراف، 19)، “وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ” (البقرة، 35)، ورغم الدلالة القرآنية الأبدع في آية “وكلا منها رغداً حيث شئتما” أي بكل حرية وبكثرة وزيادة لا يخشى معها النقص أو الحرمان؛ إلا أن ذلك لم يمنع الفضول أو يقمعه، إنه حب الاستطلاع الذي يعرف به الأطفال ونراه جميعاً في سلوكهم.
وكأني بآدم في طفولته وفي جنته، ذلك المأوى الذي يتحصن به، ومن المعلوم أن الأطفال يرون في بيوتهم جنة، حيث يتوفر لهم كل شيء من طعام وشراب وسكينة واطمئنان، وبالتالي فليس شرطاً أن تكون هذه الجنة المذكورة في القرآن والتي كان آدم يأوي إليها جنة الخلد التي نطمع فيها جميعاً في الآخرة، ولكنه المأوى الذي يجد فيه الأطفال متعتهم، “إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى” (طه، 118-119).
ورغم التنبيه الذي يقضي بعدم القرب من الشجرة، والتحذير من الخطر الكامن فيها، والتحذير من العدو الذي قد يخرج آدم وزوجه من الجنة؛ إلا أن آدم نسي ذلك، “فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى” (طه، 117)، “وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا” (طه، 115)
وكأن إبليس استشعر هذا الفضول المعرفي الذي تملك آدم فذهب إليه يزين له أن يقترب من الشجرة ويأكل من ثمارها، “فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى” (طه، 120)، إنها رغبة البقاء والخلود التي جُبل عليها آدم وورثها بنوه، فاستغل إبليس ذلك ليكون مدخله في تزيين المعصية “فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ” (البقرة، 36)
وتناول آدم من الشجرة لتبدأ مرحلة جديدة من مراحل النمو المكثفة في حياة آدم، إنها مرحلة المراهقة البشرية المعروفة، “فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (طه،121)، إنها مرحلة الانتباه إلى الأماكن الدافعة للشهوة، والرغبة في الزيادة والتكاثر وتكوين الحياة في صورتها المعتادة. ولكن هذه المرحلة جاءت بعد معصية من مخلوق يعلم الله ضعفه، ودوافعه التي فُطر عليها، ومن رحمة الله به أن يسّر له سُبل التوبة؛ فلقمه كلمات يتقرب بها إلى الله ليقبل توبته وإنابته، “فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم” (البقرة، 37)، “ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى” (طه، 122)
إن هبوط آدم إلى الأرض، يعني بدء مرحلة جديدة من حياة آدم، بعد استيقاظ الرغبة فيه، لتبدأ الحياة على الأرض، إنها الحياة التي يتحمل فيها الإنسان المسؤولية كاملة، إنها مرحلة الرشد عند آدم عليه السلام، مرحلة تكوين الذرية، ومرحلة الاستقرار المؤقت “وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ(البقرة، 36)، “قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ” (البقرة، 38) ويأتي التحذير لبني آدم في قوله تعالى: “يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ” (الأعراف، 27)
إنها الحياة بصراعاتها التي لا تنتهي، بين الإنسان والإنسان، وبين الإنسان وعدوه الأبدي الذي لا يهدأ إنه الشيطان الرجيم، والمفلح من يتبع الهدى من الله فيقوده إلى النجاة في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة.

د/ محمد سعيد حسب النبي
كاتب مصري
صحيفة وطني الحبيب
 

د/ محمد سعيد حسب النبي

اترك تعليقاً