الرئيسية / الدكتور محمد سعيد / القراءة وترقية الذات- 3

القراءة وترقية الذات- 3

القراءة وترقية الذات- 3

ماذا نقرأ؟
كثيراً ما نتساءل .. ماذا نقرأ؟ ولقد سئلت هذا السؤال مراراً وتكراراً من قِبل طلابي، وحتى زملائي وأصدقائي، وتكون إجابتي وفق هذا النسق: لابد أن نفرق بين أمرين؛ بين ما يجب أن نقرؤه ، وما نحب أن نقرؤه،  فهناك أنواع من القراءة الواجبة.. وهي القراءة في الدين على سبيل المثال، والطالب في المدرسة لابد أن يقرأ مقرراته الدراسية، والعالم يجب أن يقرأ في مجال علمه حتى يضمن لنفسه النمو المعرفي والعلمي المستمر.. وهكذا الحال، ثم هناك ما نحب قراءته، وهي المجالات المتعلقة بالهواية، والميول الشخصية والنفسية، فمن يحب تربية الطيور يجب أن يقرأ عنها، ومن يحب الصيد لابد أن يقرأ عنه لتمنية هوايته وترقيتها، وكذلك من يحب الشعر، والقصص، كل أولئك لابد أن يحرصوا على القراءة في مجال ميولهم، ولكن المشكلة في الإعراض عن القراءة بوجه عام، وهذا أمر عجيب.. أن أمة اقرأ لا تقرأ، وأسباب الإعراض كثيرة، قد نناقشها في سياق آخر.

ترقية الذات .. العقاد نموذجاً
أشرت منذ قليل إلى الترقية الفطرية التي تحدث للإنسان من طور العلقة إلى طور العلم في الآية القرآنية الشريفة التي افتتحت بها مقالي، هذا الترقي في أطوار الإنسان منذ مراحله الجنينية الأولى إلى مرحلة العلم والمعرفة التي شُرِّف بها على غيره من الكائنات الحية .. ضمانته القراءة، والقراءة أيضاً تضمن لك ترقياً من نوع آخر، ترقياً بين العالمين من الناس، فهذا هو العقاد، الحاصل على شهادة الابتدائية تلك الشهادة التي تضمن الحد الأدني من التعليم وهو: القراءة والكتابة، وبعض عمليات الحساب، لكنه لم يقف عند هذا الحد، وإنما سعى إلى مزيد من الترقي، فكان عاشقاً للقراءة في كل مجال من مجالات المعرفة الإنسانية، حتى أنه كان يضاهي رجالات عصره العلماء من أصحاب الشهادات العالية في التعليم إن لم يفقهم علماً ومعرفاً وثقافة، وأسوق هنا قصة تبرز لنا تفوق العقاد على نظراء عصره في العلم والمعرفة، في أحد الأيام وفي صالون العقاد الذي كان يعقده بانتظام في بيته، وكان يحضره الكثير من أساتذة الجامعة والباحثين والمثقفين، سأله أحد الأساتذة المرموقين الذي تخصص في الفلسفة الوجودية، والتي كانت علماً حديثاً يدرس في الجامعة في خمسينيات القرن الماضي، سأله هذا الأستاذ متحدياً، يريد أن يكشف للحضور أن العقاد يجهل شيئاً من المعارف العصرية التي كانت تتردد في تلك الآونة، فقال له: يا أستاذ ماذا تعرف عن الفلسفة الوجودية؟ فقال له العقاد: ماذا تعرف أنت عنها؟ فأجاب الرجل أنا متخصص فيها وقرأت كل ما كتب عنها وهي ثلاثة كتب فقط، فضحك العقاد، وقال لخادمه: أحضر الكتب الموجودة على سريري، فأحضر الخادم سبعة كتبت في الوجودية كان يقرؤها العقاد، ثم أسهب في الحديث عنها بكثير من التفصيل والتحليل والنقد مما أدهش الحضور جميعاً ومن بينهم الأستاذ الجامعي المتخصص.

سُنّة حياة:
كل منا يرى الغرب ومدى حرصه على القراءة في الحدائق والشواطئ وأماكن المواصلات وغيرها، لا لشيء إلا لعلمهم التام بدورها في النمو الشخصي والمعرفي، ونحن أحق منهم بذلك فنحن أمة (اقرأ) ، فيجب أن نجعل من القراءة سنة حياة، امتثالاً لأمر الله، وضمانة للترقي الذاتي والحضاري بإذن الله.

د/ محمد سعيد حسب النبي
كاتب مصري
صحيفة وطني الحبيب
 

د/ محمد سعيد حسب النبي

اترك تعليقاً