الرئيسية / الدكتور محمد سعيد / القراءة وترقية الذات-2

القراءة وترقية الذات-2

القراءة وترقية الذات-2

القراءة والراحة النفسية:
عرض ابن جني – وهو أحد علماء اللغة النابغين- مفهوم الاشتقاق الكبير بيَّن فيه كيف يمكن أن تتغير حروف الكلمة مع وجود علاقة بينها حتى بعد التغيير، ولو طبقنا هذا المبدأ على مادة (قرأ)، بمعنى لو غيرنا في حروفها، فسنجد ثلاثة ألفاظ هي: (أرق – قرأ – أقر)، فهل هناك علاقة بين هذه المفردات؟ الإجابة: نعم .. حيث إنه الأرق الناتج عن عدم المعرفة.. وهو أرق جربه كل من جهل أمراً ما، وغابت عنه معرفة يحتاج إليها، ولكي يصل هذا الإنسان لمرحلة الهدوء، ويقر – من أقر أي ارتاح وسكن– بالمعرفة، لابد أن يسعى لمحو هذا الجهل، ومن بين وسائله المهمة في ذلك.. القراءة، ومن هنا نجد كيف أن القراءة كانت سبيلاً لراحة الإنسان واطمئنانه وقراره.
القراءة والنشاط العقلي:
تشير بعض الدراسات أن الإنسان إذا أعرض عن القراءة يُصاب بما يعرف بالكسل العقلي، ولكن ما سبب هذا الكسل؟ لو تأملنا حال الإنسان بعد ميلاده سنجد – وكما يرى علماء النفس – أن عقله صفحة بيضاء يخط فيها الكبار سمات شخصيته التي سيتعامل من خلالها مع بيئته ومجتمعه في قابل الأيام، هذا الطفل عندما يبصر أمه وتتحدد ملامحها وينبني مفهوم الأمومة لديه يبدأ عقله بإنشاء مجلد – كما هو الحال في الحاسب الآلي- ويسميه الأم، وكذلك الحال بالنسبة للأب، وجماعة الأخوة والجيران يبني الطفل لكل مفهوم منها مجلداً، ثم بعد التحاق الطفل بالمدرسة، يبدأ في تكوين مجلدات جديدة للمعارف التي يكتسبها في المدرسة، وكلما أخذ موضوعاً له علاقة بالأم يبدأ في إدخال ملف جديد لمجلد الأم، وإذا اكتسب معرفة لها علاقة بالجيران وضع ملفاً جديداً في مجلد الجيران، وهكذا يستمر حال الإنسان ما بين إنشاء مجلد لمعرفة جديدة، وإضافة ملفات لمعارف سابقة، ثم العملية الأهم والأخطر من ذلك هي إيجاد علاقات بينية بين المجلدات والملفات المكتسبة، مثال ذلك: لو أنشأ الطفل مجلداً للدين، ثم وجد أن الدين يحض على بر الأمهات، فيربط من فوره بين مجلد الأم الذي سبق إنشاؤه، ومجلد الدين، هذه العلاقات البينية بين المجلدات العقلية – إن صح التعبير- هي التي تحرك العقل، وهذه الحركة العقلية إذا ما أردنا تنشيطها فعلينا بالقراءة المتنوعة في أكثر من مجال، وبالتالي ستنشط عقولنا وستجري العمليات البنائية للمجلدات الجديدة المرتبطة بمعارف جديدة، والملفات المعرفية لإثراء المجلدات العقلية، ثم الروابط فيما بينها، ومن هنا يتضح أن البعد عن القراءة لا يحرك العقل فحسب بل يجعل معرفته محدودة، ونشاطه قاصراً.

د/ محمد سعيد حسب النبي
كاتب مصري
صحيفة وطني الحبيب
 

د/ محمد سعيد حسب النبي

اترك تعليقاً